الشيخ محمد رشيد رضا

250

الوحي المحمدي

فقول البخاري : « عتق المشرك » يحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل لأن حكيما سأله عما أعتقه وهو مشرك ، وأن يكون من الإضافة إلى المفعول لأن الذين أعتقهم كانوا مشركين ، وجواب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له أنه أسلم على ما كان يفعله من الخير معناه أنه كمل له الخبر والبر بالإسلام ، وإذا كان الإسلام يجب ما قبله من الشرك وأعماله ، ويطهر النفس منها فأجدر به أن يزيد فاعل الخير السابق خيرا وتزكية لنفسه إذا كان مستعدا لهما ، ولو لم يسلم لما كان هذا ينجيه في الآخرة ولكنه كان يكون أمثل ممن لم يفعل مثله . الوصية بالمماليك أضف إلى ما تقدم كله وصايا الله ورسوله بالمماليك ، ومنها تخفيف الواجبات عليهم ، وجعل حدّ المملوك في العقوبات نصف حد الحر ، وقد قرن الله تعالى الوصية بهم بالوصية بالوالدين والأقربين ، ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قول السيد : « عبدي وأمتي » ، وأمره أن يقول : « فتاي وفتاتى وغلامي » ، وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون ، ويعينوهم على خدمتهم إن كلفوهم ما يغلبهم كما في حديث أبي ذر في الصحيحين وغيرهما الذي تقدم والمناسب منها هنا : أن المعرور بن سويد قال : رأيت أبا ذر بالربذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك » ، وذكر ما تقدم من الحديث وتتمته هي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في المماليك : « إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم » أي : عاملوهم معاملة الأمثال ، وفي الصحاح أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يوصى النساء وما ملكت الأيمان حتى في مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى صلّى اللّه عليه وسلّم . وسأله ابن عمر : كم أعفو عن الخادم ؟ قال : « اعف عنه كل يوم سبعين مرة » ، وهذه مبالغة معناها اعف عنه كلما أذنب . وقد تفلسف بعض المتنطعين فيما يسمونه النقد التحليلي فقال : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان يوصى بالرقيق لأنه ربى في حجر أمه - قيل يعنى به إرضاع ثويبة مولاة عمه أبى لهب - وأن هذا التعليل لجهل عميق بالتاريخ وعلم النفس والفلسفة جميعا ، والأولى أن يعنى أم أيمن حاضنته وكانت جارية لأمه فورثها وأعتقها ، ولكنّ هذا التشريع العظيم الذي جاء في كهولة الأمية فوق جميع شرائع البشر وفلسفتهم وآدابهم شئ آخر لا ينبغي لعاقل أن يعلله بما علله به هذا المتنطع المتحذلق ، وما كان هذا التشريع وحده هو الذي يعلو هذا التعليل ويحكمه بل كل نوع من شريعته مثله ، ثم ما ذا يقال في مجموعها وجملتها ؟ .